الإسلام في عمق البنى الاجتماعية
''من فيبر إلى غيرتز"
(قراءة مختلفة لوجهة نظر عبد الله حمودي*)
إبراهيم خرشوفي، في 12.11.10 ماي 2016
في قلب الحديث عن العلمانية و راهنيتها، تطرح النظرة إلى الإسلام في مجتمعنا إشكالية متجذرة، و هي زاوية النظر أو المقترب في البحث عن المداخل نحو إعادة التأسيس لنظرة علمية تتجاوز البداهة المطلقة، وتحصن المشروع من خطأ التبلور فوقيا. إن هذه الإشكالية تستدعي الخوض في الإسلام بما هو موضوع تحليلي ومفهوم نظري. وليس في هذا المقال ما يفتح المجال في البحث عن الأصول من الناحية المنهجية، لأن ذلك غير مطروح حاليا في غياب المقترب. و قبل الدخول في الموضوع فإنه تجدر الإشارة إلى أن وضع المسافة مع الموضوع تظل صعبة لدواعي هوياتية، ومن جهة ثانية وكمنطلق ينبغي الإشارة إلى أن المسلمين خلال أربعة عشرا قرنا لم يتوقفوا عن الحوار والسجال والصراع حول الأسس التي تقوم عليها " الجماعة "، حول التأويلات المختلفة التي ينتجونها بخصوص ما يعتبرونه مصادر لا تقبل الجدل، أي الوحي والسنة. وقد تصاعدت وثيرة هذه النقاشات مع نهاية القرن الثامن عشر، ودخلت في صيرورة الفصل بين الإسلام والعالم الإسلامي، وتم التراجع عن دار الإسلام لصالح المسلمين، وما ينتجه ذلك من إشكالية تأثر الأول بالثاني والعكس صحيح. إن هذه السجالات و"المراجعات" تدخل في مسلسل التأثر بحركية العقلنة. وهنا دخلت عملية "المفاضلات" حيز التطبيق.
إن هذه المفاضلات حسب "م.فيبر" تعني الفصل بين المجالات، والتي جاءت في ظرف طغى عليه الزحف الإمبريالي حسب "ع.الله حمودي"، ظرف أصبحت فيه المفاضلة بين المجتمعات في علاقتها ببعضها البعض، تتم عن طريق تعبئة الدين والحضارة والثقافة.
إن مسلسل البحث والتشكل الذي لازم هذه المفاهيم تلخص في الأخير في ما أسماه " إ.دوركهايم" بالتمثلات الجمعية. وإذا ما أخذنا الإسلام كموضوع نكون إزاء مقاربة الوعي كحقل وانعكاساته على " التقدم "، ومعها فإن ثنائية الذات والموضوع تنبثق في مقاربة الثقافة والدين. ثم الإسلام "كنقطة ارتكاز" التي نظر لها "م.عبده" و"ج.د.الأفغاني" أنه وفي وجود الشرط اللازم، سيكون الإسلام قادرا على رفع التحدي والمنافسة. إن هذه المنافسة التي تحدث عنها " عبده '' لا يمكن أن تتخذه سوى شكل منافسة محكومة بمنطق دارويني.
عند هذا الحد تطرح نفسها بقوة العقيدة والإنتماء إليها، وينبغي الإشارة إلى أن الإنتماء لهذه العقيدة يعرف متغيرات على مستوى الدرجة والألوان لهذا يجب أن يأخذ هذا الأمر بعين الإعتبار، دون الخروج عن إطار المكانة التي تحددها له الحياة الاجتماعية، أو بعبارة أدق الطابع الإنتباذي أو الإنجذابي للحركة حسب فهم "ح.ع.حمدان".
لقد ارتفعت كثافة الحقل الإستدلالي حول العالم العربي والمنطقة المغاربية بتوطد العلاقة مع الإستعمار، فاختزل الإسلام في مجرد قوة سياسية، وصار وعي المسلمين يقاس بمعايير القوة، وكرست السيادة المفهومية للإسلام الطرقي (حمودي ). وواقع الحال أنه لا يتم الخروج بسهولة عن هذه الأصول الإستدلالية، فتم التركيز على أن الإسلام هو قوة، وهي التي تسود المنظومة السياسية في مجملها. هذه القوة التي يجسدها "المخزن"، مع إغفال الجوانب الأخرى التي يمكن أن تكون مدخلا من مداخل فهم الموضوع.
وعودة لمبدأ الوعي فينظر إلى أن البنية تكون لا واعية و أن العقل قادر على إقامة العلاقات الضرورية من غير الحاجة إلى رأي المسلمين، وفي هذه النظرة يتم تغييب الإسلام كدين، كما فعل "ل.ستراوس" في فصله بين الشرق الحقيقي وغرب هذا الشرق. في تمثل المسلمين متمايزين بخصال اليهود المتعفنة، دون أن يتميزوا بخصالهم الحميدة .!
إن الإسلام لا يجب أن ينظر إليه كخطاطة من القواعد الأخلاقية والقانونية المبنية على منظومة من الأفكار المختزلة في جوانب عدة ( كالألوهية و التعالي ..إلخ). لأن مقاربة الخطاطة أدت إلى انفصام بين المدينة و البادية، فالأولى محكومة بقيم الجماعة و سلطة "التمركز" وتختنق بالثانية المحكومة بقيم أخرى أقرب إلى ما يشبه التخلي عن الحاجة إلى الدولة. وهكذا تظهر الحركات التي تسعى إلى التطهير من الشوائب، فتنقلب معادلة صدامية عنفية سرعان ما تهيئ البيئة للهدم أكثر من البناء، و هذا ما يعبر عنه بالبنية الإنقسامية.
وفي هذا الإطار فإن النظريات الإسلاموية تتشبث بفكرة وجود{نواة} أو لب أو جوهر فوق-تاريخي، مع مراهنتهم على التغيير عن طريق اللجوء إلى الإكراه. ومن جهة أخرى يظهر الإسلام لدى البعض في صورة تراث ثقافي ونص يعتمد عليه في مجال قراءة الواقع وبناء في إطار مرجعية تنبني على الرموز الدينية.
والرموز وما تحتضنه من معاني تنساق إزاء محاولة بمثابة نقاط ارتكاز ونتائج في طور البلورة والتغيير. إن نظرة نقطة الإرتكاز التي تدخل في صلب نظرية التأويل أو البحث عن المعنى بغض النظر عن الفعل ومحركه، تتمأزق حين تنبني على فكرة الإجماع والمعنى القصري، خصوصا حين يتعلق الأمر بميدان تعمه المعارك والفوضى، وما ينتج عن هذه الحالة من عدم استقرار للمعنى، فيفرض بالإكراه عن طريق خطاب القوة عوض قوة الخطاب.
إن الأزمة اليوم تتحدد في الفوضى التي أصابت نقطة الإرتكاز وفي إعادة تجديد هذه النقطة، وما يتضمنه في خلاصه من خضوع للسيطرة في خضم صراع المصالح.
إن التوجه هنا هو في ضرورة تجاوز البحث في المعنى والبحث في الإرادات المتحددة بالبنى الاجتماعية وليس بنفيها، دون إغفال المشاعر التي تشكل محددا فوقيا من هذه البنى. إنها ملحاحية نقض النظرية التجزيئية والتبسيطية لفكرة أعمق من أن تجزأ. لأن التجزيئية حرفت نقطة الإرتكاز وعززت الفوضى داخلها، وبه تعود الكلية (ج.لوكاتش) لتطرح نفسها من جديد نقيضا للتأويل (غيرتز) و للتخصصية (فيبر). لأن اللاوعي لا ينكشف من حيث هو قطب مضاد لوعي ما، بل من خلال العلاقة التي تشد قطبين متضادين.
تلكم هي المداخلة التي أود أن أدلي بها كتوجيه للمهتمين بموضوع الإسلام للتنبيه إلى جوانب يمكن إغفالها. إنها مداخلة بعيدة عن وجهة نظر مأسسة كما أريد لها أن تكون، لكنها مدخل استراتيجي للبحث في موضوع أكبر من أن يناقش بالتفصيل في هذا الفضاء. إنها دعوة للنقاش على أرضية أفكار مركزة بشدة لضرورة منهجية و ليس لغرض آخر، على أن تكون فرصة لإنتاج معرفة بالضرورة يجب أن تكون اجتماعية، أي تحت النقد وفي صلبه.
*: بناء على مقالة " في جدلية بناء أنتروبولوجيا الإسلام " لعبد الله حمودي 8 أبريل 1999.